الفيض الكاشاني

254

المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء

الكفّ عن أعراض الناس . وقال ابن عبّاس إذا أردت أن تذكر عيوب صاحبك فاذكر عيوبك ، وقال بعضهم : يبصر أحدكم القذا في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عين نفسه ، وقال آخر يا ابن آدم إنّك لن تصيب حقيقة الإيمان حتّى لا تعيب الناس بعيب هو فيك وحتّى تبدأ بصلاح ذلك العيب فتصلحه من نفسك ، وإذا فعلت ذلك كان شغلك في خاصّة نفسك ، وأحبّ العباد إلى اللَّه من كان هكذا . وقال مالك بن دينار : مرّ عيسى ابن مريم عليهما السّلام ومعه الحواريّون على جيفة كلب فقال الحواريّون : ما أنتن ريح هذا الكلب فقال عيسى : ما أشدّ بياض أسنانه كأنّه نهاهم عن غيبة الكلب ونبّههم على أنّه لا يذكر شيء من خلق اللَّه إلا أحسنه . أقول : قال بعض علمائنا : إنّه ليس المقتضي لما قاله عيسى عليه السّلام كون كلام الحواريّين غيبة بل الوجه فيه أنّ نتن الجيفة ونحوه ممّا لا يلائم الطباع غير مستند إلى فعل من يحسن إنكار فعله وكلام الحواريّين ظاهر في الإنكار كما لا يخفى وكأنّ عيسى عليه السّلام نظر إلى أنّ الأمور الملائمة وغيرها ممّا هو من هذا القبيل كلَّها من فعل اللَّه تعالى على مقتضى حكمته ، وقد أمر بالشكر على الأولى والصبر على الثانية ، وفي إظهار الحواريّين لانكار نتن الرائحة دلالة على عدم الصبر أو الغفلة عن حقيقة الأمر فصرفهم عنه إلى أمر يلائم طباعهم وهو شدّة بياض أسنان الكلب وجعله مقابلا للأمر الَّذي لا يلائم وشاغلا لهم عنه وهذا معنى لطيف تبيّن لي من الكلام . ومن طريق الخاصّة ما رواه الصدوق رحمه اللَّه - بإسناده إلى النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : « من مشى في غيبة أخيه وكشف عورته كانت أوّل خطوة خطاها وضعها في جهنّم ، وكشف اللَّه عورته على رؤس الخلائق ، ومن اغتاب مسلما بطل صومه ونقض وضوءه . فإن مات وهو كذلك مات وهو مستحلّ لما حرّم اللَّه » ( 1 ) . وعن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : « قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : الغيبة أسرع في دين

--> ( 1 ) أورده في آخر كتاب عقاب الأعمال في خطبة النبي صلَّى اللَّه عليه وآله وهي آخر خطبة خطبها رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بالمدينة .